قبل حلول شهر رمضان: تطورات جديدة بخصوص الزيادات في أجور الموظفين والمتقاعدين

قبل حلول شهر رمضان: تطورات جديدة بخصوص الزيادات في أجور الموظفين والمتقاعدين
مع اقتراب شهر رمضان، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية في تونس، وهو ملف الزيادات في الأجور وجرايات المتقاعدين، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل شريحة واسعة من المواطنين تترقب بقلق مصير هذه الزيادات التي نصّ عليها قانون المالية لسنة 2026.
فقد جاء هذا القانون ليكرّس توجهاً جديداً يقوم على إقرار زيادات في أجور العاملين في القطاعين العام والخاص، إلى جانب الترفيع في جرايات المتقاعدين، وذلك على امتداد ثلاث سنوات متتالية، من 2026 إلى 2028، مع اعتماد مفعول رجعي بداية من شهر جانفي من السنة الجارية. وقد وُصفت هذه الخطوة بأنها استجابة مباشرة للضغوط الاجتماعية المتزايدة، وللتراجع الواضح في القدرة الشرائية للمواطنين تحت تأثير التضخم وغلاء المعيشة.
ورغم أن النسب النهائية للزيادات لم تُضبط رسميًا بعد، فإن التقديرات المتداولة تشير إلى أنها قد تتراوح بين 4 و7 بالمائة، على أن تكون مرتبطة بتطور الأسعار والمؤشرات الاقتصادية. غير أن غياب الإعلان الرسمي عن تفاصيل التطبيق أبقى حالة من الترقب والقلق لدى الموظفين والمتقاعدين، خاصة مع دخول فترة استهلاكية حساسة مثل شهر رمضان.
ويأتي هذا التمشي في ظرف دقيق، حيث يتضاعف الاستهلاك وترتفع حاجيات الأسر، في وقت يواجه فيه المواطن صعوبات متنامية لتأمين مستلزماته الأساسية، سواء بسبب نقص بعض المواد الغذائية أو الارتفاع المتواصل في أسعار أخرى، وهو ما أعاد بقوة مطالب تفعيل الزيادات المقررة دون تأخير، باعتبارها إحدى الآليات الضرورية لحماية الدخل وتحقيق حد أدنى من التوازن الاجتماعي.
في هذا السياق، شدد النائب بالبرلمان حليم بوسمة على أن الترفيع في الأجور والجرايات ليس خياراً سياسياً قابلاً للمساومة أو التأجيل، بل هو حق قانوني صريح أقرّه النص التشريعي. واعتبر أن الوضع الحالي لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار، خاصة في ظل الضغط غير المسبوق الذي يرزح تحته التونسيون بسبب الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
وأشار بوسمة إلى ما وصفه بـالعجز الواضح في توفير المواد الغذائية الأساسية بالكميات والأسعار المناسبة، معتبراً أن دخول موسم استهلاكي بحجم شهر رمضان دون رؤية واضحة لضبط السوق ودون خطة عملية لتأمين العرض أو إجراءات استباقية للتصدي للمضاربة واختلال سلاسل التزويد، لا يمكن اعتباره أمراً عادياً أو قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لتقصير في إدارة هذا الملف الحيوي، خاصة من وزارتي الفلاحة والتجارة.
وانتقد النائب الاكتفاء بترديد شعار “من المنتج إلى المستهلك” في غياب منظومة متكاملة وبنية لوجستية فعلية وآليات تخزين وتوزيع ناجعة، مذكّراً بأن المشهد يتكرر منذ قرابة خمسة عشر عاماً: اجتماعات وخطابات مطمئنة ووعود موسمية، ثم عودة سريعة إلى الاختناقات نفسها والارتفاعات الحادة في الأسعار، مع غياب دراسات جدوى حقيقية وشراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص.
وأكد بوسمة أن الحديث عن حماية القدرة الشرائية يفقد معناه إذا لم يتم احترام ما نصّ عليه قانون المالية من زيادات لفائدة الشغالين والمتقاعدين، معتبراً أن تأخير التنفيذ في ظل تضخم متسارع وارتفاع كلفة العيش يفرغ شعارات العدالة الاجتماعية من محتواها، ويجعل الفئات الأضعف تتحمل وحدها كلفة الاختلالات الاقتصادية وسوء الحوكمة، مذكّراً بأن المتقاعد لا يطالب بامتياز إضافي، بل بجراية تحفظ كرامته وتمكّنه من تغطية حاجياته الأساسية، خاصة في شهر تتضاعف فيه المصاريف.
من جهته، أوضح الخبير في الضمان الاجتماعي هادي دحمان أن التنفيذ العملي لهذه الإجراءات من المنتظر أن ينطلق خلال شهري مارس أو أفريل المقبلين، مرجحاً صدور الأمر الترتيبي في الفترة القريبة القادمة، وهو ما من شأنه إنهاء حالة الترقب وفتح المجال أمام صرف المستحقات بصفة رجعية طبقاً لما ينص عليه القانون.
وبيّن دحمان أن النص الوارد في قانون المالية يُعد نصاً إطارياً يقرّ مبدأ الزيادة دون الخوض في التفاصيل التقنية المتعلقة بالمقادير وكيفية التطبيق، مشيراً إلى أن عدم تحديد نسب نهائية يعود إلى ضرورة إصدار أوامر تطبيقية تضبط المقادير بدقة لكل قطاع ولكل سلك وظيفي، إلى جانب انتظار عمل اللجان الفنية التي تدرس المؤشرات الاقتصادية.
وأضاف أن هذه اللجان مطالبة بإيجاد توازن دقيق بين تحسين القدرة الشرائية للأجراء والمحافظة في الوقت ذاته على إمكانيات الدولة والمؤسسات، مع ضرورة إشراك أصحاب العمل في القطاع الخاص لضمان استدامة مؤسساتهم وعدم تحميلها أعباء تفوق طاقتها الإنتاجية.
ووصف دحمان الأرقام المتداولة حالياً، مثل 4 أو 5 بالمائة، بأنها مجرد استنتاجات وليست قرارات رسمية، مذكّراً بأن أي جهة رسمية لم تعلن نسباً محددة إلى حد الآن. لكنه أشار إلى أن النقاشات البرلمانية تطرقت إلى نسبة 7 بالمائة، في حين يدور التضخم حالياً حول 5 بالمائة تقريباً، معتبراً أن أي زيادة تقل عن معدل التضخم لن تحقق الهدف المنشود في حماية الاستقرار الاجتماعي، ومرجّحاً أن تتراوح الزيادات بين 4 و7 بالمائة، بوصفه الخيار الأكثر واقعية في ظل الظرف الاقتصادي الراهن، مع الإشارة إلى أن جرايات المتقاعدين تخضع لقوانين خاصة تحدد المعاشات وفق نسب ومعايير فردية.