بعد الفيضانات والسيول: محامي يحذر التونسيين: 3 سنوات سجن و30 مليون خطية لهؤلاء …
أطلق المحامي والباحث في القانون الجزائي زياد الكعبي تنبيها شديد اللهجة بخصوص التعامل مع المكتشفات الأثرية التي قد يعثر عليها المواطنون بصفة عرضية، مؤكدا أن القانون التونسي لا يترك مجالا للاجتهاد في مثل هذه الحالات، إذ يفرض على كل من يكتشف أثرا أو موقعا ذا قيمة تاريخية أو تراثية أن يبادر فورا بإعلام
السلطات المختصة، وإلا فإنه يعرّض نفسه لتتبعات جزائية قد تصل إلى السجن لمدة ثلاث سنوات كاملة إلى جانب خطية مالية تبلغ 30 ألف دينار، وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 82 من مجلة حماية التراث.
وجاء هذا التحذير في سياق التطورات الأخيرة التي شهدتها السواحل الشرقية للبلاد، وخاصة في ولايتي نابل والمهدية، حيث كشفت التقلبات المناخية الحادة والتيارات البحرية القوية التي رافقت الأمطار والرياحعن أجزاء من مواقع تاريخية ومقابر قديمة كانت مطمورة تحت الرمال أو مغمورة بالمياه، ما أدى إلى ظهور شواهد أثرية بشكل مفاجئ على الشواطئ.
هذه الاكتشافات العفوية دفعت عددا من المواطنين إلى التوجه إلى تلك المناطق بدافع الفضول أو الطمع على أمل العثور على لقى ثمينة أو ما يصفه البعض بـ”الكنوز”، وهو ما اعتبره مختصون سلوكا خطيرا يهدد سلامة التراث الوطني.
وأوضح الكعبي أن مجرد نقل قطعة أثرية أو الاحتفاظ بها دون إعلام المعهد الوطني للتراث أو المصالحالأمنية المختصة يعد مخالفة صريحة للقانون، حتى وإن كان الاكتشاف قد تم بالصدفة ودون نية مسبقة للاتجار، مشددا على أن المشرع يتعامل بصرامة مع هذه الأفعال باعتبار أن الآثار ملك للشعب التونسي بأكمله ولا يجوز التصرف فيها بشكل فردي.
وتندرج هذه التحذيرات ضمن إشكالية أوسع تتعلق بانتشار ظاهرة نهب الآثار في تونس، وهي ظاهرة ليست جديدة، لكنها تفاقمت بشكل لافت خلال السنوات التي تلت ثورة 2011 فبحسب متابعين للملف، ساهمت حالة الانفلات الأمني وتراجع الرقابة على المواقع التاريخية في فتح المجال أمام شبكات الحفر السري والتهريب،
مستغلة هشاشة الوضع العام لتحقيق أرباح سريعة. كما أشار الكعبي إلى أن العائلة الحاكمة السابقة كانت تهيمن بدورها على جزء من الثروات الأثرية قبل الثورة، ومع سقوط النظام تنامت أطماع بعض الأفراد الذين رأوا في غياب الرقابة فرصة للنبش العشوائي والتنقيب غير القانوني.
من جهته، اعتبر المحامي عبد الجواد الحرازي، الذي تولى سابقا الترافع في عدة قضايا مرتبطة بسرقة الآثار والاتجار بها، أن المنظومة العقابية الحالية لا تحقق الردع الكافي، موضحا أن معظم الجرائم المتعلقة بالاعتداء على التراث تصنف في خانة الجنحلا الجنايات،
وهو ما يجعل العقوبات المسلطة أخف مما ينبغي مقارنة بخطورة الأفعال المرتكبة وخسائرها الثقافية والاقتصادية. وأكد أن ضعف العقوبات شجع العديد من الأشخاص على المخاطرة والدخول في هذا المجال، سواء عبر التنقيب غير المشروع أو بيع القطع الأثرية في السوق السوداء أو تهريبها إلى الخارج.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الممارسات لا يهدد فقط المواقع التاريخية بالتخريب والاندثار، بل يحرم البلاد من جزء مهم من ذاكرتها الجماعية ومن موارد سياحية وثقافية يمكن أن تساهم في دعم الاقتصاد الوطني. لذلك يجدد القانونيون دعوتهم إلى تعزيز الوعي لدى المواطنين بضرورة حماية التراث والإبلاغ الفوري عن أي اكتشافات، إلى جانب مراجعة التشريعات وتشديد الرقابة والعقوبات لضمان صون هذا الإرث للأجيال القادمة.
