للأسف الشديد، تفاصيل ما أعلنه خبير مختص مخاطبا سكان منطقة سيدي بوسعيد ..

للأسف الشديد، تفاصيل ما أعلنه خبير مختص مخاطبا سكان منطقة سيدي بوسعيد ..

دق أستاذ الجيومورفولوجيا بالجامعة التونسية وديع العروي ناقوس الخطر بشأن الوضع البيئي والجيولوجي الدقيق الذي تعيشه هضبة سيدي بوسعيد، مؤكداً أن التهديد المتزايد بحدوث انزلاق أرضي في المنطقة ليس أمراً ظرفياً أو مرتبطاً فقط بالتقلبات المناخية الأخيرة، بل يعود أساساً إلى طبيعة التكوينات الجيولوجية للهضبة نفسها وما يرافقها من عوامل بشرية زادت من هشاشتها عبر السنوات.

وبين العروي أنّ البنية الصخرية لسيدي بوسعيد تتسم بتباين واضح، إذ تتكوّن من طبقات متجاورة من الصخور الطينية وأخرى رملية، وهي تركيبة معروفة بضعف تماسكها مقارنة بالصخور الصلبة والمتجانسة، ما يجعلها أكثر قابلية للتفكك والانزلاق.

وأضاف أن هذه الصخور تخترقها شبكة من الصدوع والانكسارات الطبيعية، وهو ما يسهل تسرب المياه إلى أعماقها ويُفقدها استقرارها الميكانيكي، إذ تتحول الكتل الترابية والصخرية عند تشبعها بالمياه إلى كتل ثقيلة تنزلق تدريجياً تحت تأثير الجاذبية، وهو السيناريو النموذجي لحدوث الانزلاقات الأرضية.

وأشار إلى أن تسرب المياه يُعد من أخطر العوامل المسرعة لهذه الظاهرة، موضحاً أن مصادرها لا تقتصر على الأمطار فقط، بل تشمل أيضاً مياه الصرف الصحي المنزلية المتسربة من الشبكات أو الحفر غير المحكمة، إلى جانب المياه الناتجة عن تفريغ المسابح الخاصة وتنظيفها. واعتبر أن تواصل تدفق هذه المياه داخل التربة يُضاعف من تشبع الطبقات الهشة ويزيد من وزنها، ما يرفع احتمالات الانهيار في أي لحظة، خاصة خلال فترات الأمطار الغزيرة.

وفي هذا السياق، دعا العروي إلى التحرك العاجل من خلال جملة من الإجراءات الوقائية لتفادي كارثة محتملة، مؤكداً ضرورة تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر ورسم خرائط دقيقة لها حتى تكون الأولوية للتدخلات الاستعجالية فيها. كما شدد على أهمية منع كل أشكال تسرب المياه داخل التربة، والعمل على تحسين شبكات الصرف الصحي ومراقبتها بانتظام، فضلاً عن توجيه مياه الأمطار عبر قنوات تصريف مضبوطة نحو نقاط تجميع آمنة بعيداً عن السفوح الهشة.

ولم يخف المختص قلقه من التأثير المتزايد للنشاط البشري على استقرار الهضبة، مشيراً إلى أن الكثافة العمرانية المرتفعة التي شهدتها سيدي بوسعيد خلال العقود الأخيرة خلّفت ضغطاً كبيراً على التربة. وأوضح أن عمليات البناء المتواصلة، وحفر الأساسات العميقة للمنازل، وأشغال التهيئة المختلفة، كلها عوامل ساهمت في تفتيت الصخور الأم وإضعاف تماسكها الطبيعي، ما جعل الوسط البيئي أكثر هشاشة وأقل قدرة على مقاومة العوامل الطبيعية.

وأضاف أن السفحين الشرقي والجنوبي الغربي للهضبة يمثلان ما يُعرف في الدراسات الجيومورفولوجية بـ”جبهة الانجراف”، وهي مناطق بطبيعتها أكثر عرضة لحركة التربة والانزلاقات ما يعني أن الخطر هناك مضاعف مقارنة ببقية الأجزاء. ولفت إلى أن اجتماع الخصائص الجيولوجية الهشة مع الضغط العمراني وتسرب المياه يجعل كل الظروف مهيأة لحدوث انهيارات أرضية قد تكون نتائجها جسيمة على السكان والبنية التحتية.

وختم العروي بالتأكيد على أنّ التعامل مع الوضع يتطلب رؤية علمية واستباقية لا تقتصر على الحلول الظرفية، بل تقوم على التخطيط المحكم ومراقبة التوسع العمراني وفرض ضوابط صارمة للبناء، إلى جانب صيانة شبكات المياه والصرف، محذراً من أن التأخر في اتخاذ الإجراءات اللازمة قد يحوّل التهديد الحالي إلى كارثة حقيقية تمس واحدة من أبرز المناطق التاريخية والسياحية في البلاد

Exit mobile version