مشروع قانون جديد للحضانة المشتركة والإقامة المتساوية في تونس: نحو تحول جذري في مفهوم المسؤولية الوالدية

مشروع قانون جديد للحضانة المشتركة والإقامة المتساوية في تونس: نحو تحول جذري في مفهوم المسؤولية الوالدية
تشهد الساحة التشريعية والاجتماعية في تونس خطوة نحو إعادة هيكلة منظومة الأحوال الشخصية والعلاقات الأسرية، وذلك عقب إحالة المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط مشروع مقترح قانون جديد إلى مجلس نواب الشعب، يهدف إلى إرساء نظام “الحضانة المشتركة والإقامة المتساوية للأطفال” بعد انفصال الوالدين.
يأتي هذا المقترح التشريعي في ظل تحولات اجتماعية متسارعة، وسعياً إلى تطوير الآليات القانونية بما يضمن المصلحة الفضلى للطفل ويحميه من التبعات النفسية والاجتماعية للنزاعات القضائية بين الزوجين.
1. الدوافع والأهداف: الانتقال من “حق الملكية” إلى “الرعاية المشتركة”
ينطلق المقترح من مرتكز قانوني وحقوقي مفاده أن انتهاء العلاقة الزوجية لا يعني بالضرورة انقطاع الرابطة الوالدية. فالطفل يمتلك حقاً أصيلاً في الحصول على الرعاية والتربية والاستقرار العاطفي من كلا الأبوين على حد سواء.
أبرز أهداف المشروع المقترح:
* تكريس المسؤولية الوالدية المشتركة: تحويل مفهوم الحضانة من معركة قضائية لكسب أسبقية أحد الأبوين إلى الشراكة المتكافئة في إدارة شؤون الطفل.
* توفير الإقامة المتساوية: إتاحة فرصة إقامة الطفل بالتساوي بين والده ووالدته متى توفرت الشروط القانونية والنفسية والاجتماعية لذلك.
* إخضاع النظام للرقابة القضائية: ضمان عدم تطبيق الإقامة المتساوية إلا بعد التثبت من ملاءمتها للوضع النفسي والصحي للطفل وحمايته من أي ضغوط.
2. مرجعيات مشروع القانون: ملاءمة بين المرجعية الوطنية والتجربة الدولية
استندت المنظمة في إعداد هذا المقترح إلى دراسة مقارنة للتشريعات الأوروبية المتقدمة في هذا المجال—مثل القوانين الفرنسية، الألمانية، والسويسرية—مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي ومبادئ مجلة الأحوال الشخصية.
كما يتناغم المقترح مع:
* المبادئ الدستورية التي تكفل حماية الأسرة والطفل.
* مجلة حماية الطفل التونسية التي تجعل المصلحة الفضلى للطفل فوق كل اعتبار.
* الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة.
3. مقارنة تحليليّة: النظام التشريعي الحالي مقابل المقترح الجديد
يحدث المقترح الجديد تحولاً هاماً في التناول القانوني لملف الحضانة مقارنة بالنصوص الجاري بها العمل:
* من إسناد الحضانة لطرف واحد إلى المسؤولية المشتركة:
يقوم النظام التقليدي على منح الحضانة لأحد الأبوين (غالباً الأم) مع الاكتفاء بمنح الطرف الآخر حق الزيارة والاصطحاب، في حين يكرس المشروع الجديد مبدأ الشراكة الوالدية المستمرة والقرارات المصيرية المتكاملة بعد الطلاق.
* من الإقامة الدائمة إلى الإقامة المتساوية:
بينما يُلزم النظام الجاري به العمل الطفل بالإقامة الدائمة مع الحاضن الرئيسي، يطرح المقترح آلية توزيع الإقامة بالتساوي بين الأبوين، وفق ترتيبات توافقية تُراعى فيها الظروف المدرسية والنفسية للطفل.
* تغيير طبيعة العلاقة وتحديد الأدوار:
ينتقل التشريع الجديد بالوالدين من مربع النزاع والتنافس القضائي لإثبات الأسبقية، إلى مربع تقاسم الواجبات والمسؤوليات، مع توسيع دور القضاء ليشمل المراقبة والإشراف الدوري لضمان تحقيق المصلحة الفضلى للطفل.
4. الأثر الاجتماعي والنفسي المتوقع
يرى المختصون في علم النفس الاجتماعي والأسري أن اعتماد نظام الحضانة المشتركة يحقق نتائج إيجابية ملموسة، من أبرزها:
* تقليل حدة الصدمة النفسية لدى الأطفال: يحافظ الطفل على روابطه اليومية مع الأبوين دون الشعور بالفقدان أو الانحياز.
* الحد من النزاعات القضائية طويلة الأمد: يساهم توزيع المسؤوليات في تخفيف حالة الاحتقان بين الوالدين بعد الطلاق.
* تعزيز دور الأب والأم معاً: يمنع تهميش دور أحد الأبوين في مرحلة التنشئة والتعليم والتربية.
5. الخطوات القادمة داخل البرلمان التونسي
اقترحت المنظمة على مجلس نواب الشعب تنظيم جلسة استماع رسمية للجنة المختصة بالبرلمان، بحضور ممثلي المنظمة ونخبة من الخبراء القانونيين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، لعرض المرتكزات العلمية والقانونية للمشروع ومناقشة آليات تطبيقه على أرض الواقع.








































